إخوان الصفاء
138
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فيما ينكرون على الشريعة من أحكامه وما يعيبون عليه من موضوعاته ، يعني يتغامزون على أهل الشريعة المستعملين لها كما قال اللّه تعالى : « وإذا مرّوا بهم يتغامزون » . كل ذلك جهلا منهم بأسرار الشريعة وعمى عن أحكامها كما وصفهم اللّه تعالى : « صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون » . فصل واعلم أن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة وهي الألفاظ المقروءة المسموعة ، ولها تأويلات خفيّة باطنة وهي المعاني المفهومة المعقولة ، وهكذا لواضعي الشريعة موضوعات عليها وضعوا الشريعة ، ولها أحكام ظاهرة جليّة ، وأسرار باطنة خفيّة ، وفي استعمال أحكامها الظاهرة صلاح للمستعملين في دنياهم ، وفي معرفتهم أسرارها الخفيّة صلاح لهم في أمر معادهم وآخرتهم ، فمن وفّق لفهم معاني الكتب الإلهية ، وارشد إلى معرفة أسرار موضوعات الشريعة ، واجتهد في العمل بالسّنّة الحسنة والسّير بسيرته العادلة ، فإن تلك النفوس هي التي إذا فارقت الجسد ارتفعت إلى رتبة الملائكة التي هي جنّات لها ، وهي ثماني مراتب ، وفازت ونجت من الهيولى ذي الثلاث الشّعب التي هي الطول والعرض والعمق ، وارتفعت في درجات الجنان والمراتب الثمان التي سعة كل واحدة منها كعرض السماء والأرض . ومن لم يرشد لفهم تلك المعاني ولا معرفة تلك الأسرار ، ولكن وفّق للعمل بسنّته العادلة وأحكامه الظاهرة ، فإن تلك النفوس عند مفارقتها الجسد تبقى محفوظة على صورة الإنسانية التي هي الصّراط المستقيم إلى أن يتفق لها الجواز على الصّراط المستقيم ، وإلى هذا أشار بقوله تعالى فقال : « وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه » الآية . وهذا هو الغرض الأقصى في وضع الشريعة الإلهية .